| عضو |
 |
 |
اشترك في: الجمعة 15 سبتمبر, 2006 3:07 pm مشاركات: 67
|
|
عبرة الإسراء والمعراج * د. عون قاسم قبل أربعة عشر قرناً وبضعة أعوام، أسرى الله بعبده محمد ليلاً من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله، ليريه من آياته، كما ورد في أول سورة الإسراء، التي نزلت بمكة. وكان ذلك نقطة تحول خطيرة ليس في حياة محمد أو حياة جزيرة العرب فحسب، وإنما في حياة البشرية جمعاء. والإنسان ليس في حاجة إلى كثير من التعلم ليكتشف الصلة بين المسجد الحرام، مقر الحنيفية، التي هي ديانة أبينا إبراهيم، التي جاء الإسلام لتأكيدها، وبين المسجد الأقصى في بيت المقدس، مهبط الوحي ومقر الرسالات، حيث ازدهرت اليهودية على يد سيدنا موسى (ع)، والمسيحية على يد سيدنا عيسى (ع). فاختيار هاتين النقطتين في إطار المكان، دلالة على الربط بين الرسالات التي ازدهرت فيهما في إطار الزمان، إذ أن ما جاء به محمد مقروناً بالمسجد الحرام هو تأكيد ودعم لما جاء به موسى وعيسى مقروناً بالمسجد الأقصى. قال تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون). وقد تأكد هذا المعنى حين هاجر النبي (ص) إلى المدينة، فاتخذ من بيت المقدس قبلة له وللمسلمين لما يزيد عن العام، ثم أمره الله بتحويل وجهته إلى المسجد الحرام بمكة. إذن فقد كان الإسراء على الحقيقة تأكيداً للرسالة التي اختص الله بها نبيه متمماً بها رسالات الأنبياء من قبله، ملخصاً لكل التجربة الدينية التي عاشتها البشرية من قبل، مخضعاً لها لخدمة أغراض الحياة الإنسانية في تطورها ونموها، وبذلك أصبح خاتم الأنبياء والمرسلين. وسواء أكان الإسراء إلى المسجد الأقصى والمعراج إلى السماء على التحقيق بالجسد أو الروح، أو على المجاز بالرؤيا، فإنهما على أي الحالات نظرنا إليهما، دليلان على قوى الانسان الروحية الخارقة، التي جعلت من ابن آدم، الضعيف الذي لا حول له ولا قوة، خليفة الله في أرضه، يستطيع بقواه العقلية وطاقاته الروحية التي لا يعلم مداها إلا الله، إن يحلق في آفاق الكون، وأن يكتشف عوالم لا يدرك إلا الله آمادها وحقيقتها. وهذه القوى الروحية والعقلية التي أودعها الله خلقه متى تهيأت لها الأسباب، وكشف الله عنها حجب الجهالة، وأزال عنها الستر التي تغشاها في حياة البشر، تفجرت معرفة، وعت من حقيقة الكون ما لا يستطيع إدراكه عامة البشر. والأمثلة على ذلك واضحة في النوابغ والعباقرة من بني البشر، الذين طوروا معرفتنا بحقيقة الوجود من حولنا، وفي الأنبياء والرسل الذين وضعوا أرجلنا على حافة عالم روحاني لا ندري كنهه، وإن أحسسنا به في ذواتنا، وتطلعت أرواحنا ونفوسنا إلى الاتصال به في سبيل إدراك الكمال الذي نصبوا إليه، ونخطئه أبداً. إن آيات الله في الكون وفي أنفسنا تقصر دون إدراكها العقول، وعلم الله واسع لا تحده المدارك، ولكن الله سبحانه وتعالى هيأ للناس عن طريق قواهم العقلية والروحية أسباب المعرفة، ولذلك قال سبحانه وتعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء). وقد كشف الله للنبي (ص) بصيرته، فأدرك من آيات الله مما لا نحتاج في تفسيره إلى الافتعال والتعمل، لأنه قد رجع إلينا من رحلة الكشف الروحية بآيات من كتاب الله، تحدد لمن عاصره، ولمن جاء بعده، طريق الارتقاء الروحي، وترسم أبعاد العالم العلوي الذي يسعى الانسان بتفانيه وتجرده إلى التسامي إليه، وقد شاهد الرسول (ص) بعين البصر أو البصيرة مصداق كل ذلك في مسراه تلك الليلة. ومن هنا كان الإسراء والمعراج بمثابة قفزة روحية وجدانية انطلقت فيها قوى النبي (ص) الروحية والعقلية من الأسر، لتعود إلينا بكل الأفكار والقيم والنظم التي حفل بها القرآن الكريم، أو هما بمثابة الإرهاص للدعوة التي كلفه الله بها ليحقق في حياة البشر كل الصور الرمزية التي تشير إليها قصة الإسراء، من ربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، مما يتمثل في الإسلام، الذي هو تأكيد وربط للديانات المتصلة بهاتين البقعتين المقدستين، والتي تشير غليها قصة المعراج من ارتقاء إلى السماء، ومشاهدة الأنبياء الذين يحفل القرآن بذكرهم، ورؤية مشاهد الثواب والعقاب في الجنة والنار، مما يفيض القرآن في تفاصيله. والعبرة التي نستخلصها من هذه التجربة الروحية الفريدة التي عاشها الرسول الكريم في ليلة السابع والعشرين من رجب منذ ما يزيد على أربعة عشر قرن، هي أن آثارها ما تزال ماثلة في حياتنا وأرواحنا، وإن غشتها غلالة من الجهالة والتخلف، وإننا إن أردنا أن ندرك معناها الحقيقي في حياتنا، فلابد من المعاناة الروحية والفكرية، والتجرد من كثير من النزوات والشهوات، حتى تنطلق قوانا العقلية والروحية من عقالها، فنكتشف أشياء عن أنفسنا وعن الوجود من حولنا، ما كان من الممكن أن نتبينها ونحن غارقون في ملاذنا وفوضى حياتنا، وأننا محتاجون دوماً إلى قفزات روحية متصلة تعيد تخطيط حياتنا العقلية والشعورية بما يتلاءم ومتطلبات حياتنا المتجددة أبداً بحيث يحدث التلاؤم والانسجام بين حاجاتنا الروحية وتطلعاتنا العقلية ورغباتنا الحسية والجسدية. لقد حقق الله لنبيه القفزة الروحية التي تخطت ظلام الجاهلية، وأشرقت بنور الإسلام، والإسلام معاناة دائمة، وصراع متصل بين قوى النفس وعناصر الخير والشر في المجتمع، وسبيلنا إلى تجاوز المعوقات هو قفزاتنا الروحية الصغيرة، التي لا ترقى إلى مستوى القفزة الكبرى التي حدثت منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً، وإن ترسمت خطاها، واتخذت منها النموذج والمثال. وإن الظلام يحيط بنا من جوانب كثيرة، وعدونا جاثم على صدرنا، ويكفي أن نتذكر في هذه الليلة أن محور الإسراء الثاني ما يزال تحت احتلاله، وأن قفزتنا الروحية المنتظرة، والتي هي سبيل البعث الجديد لأمتنا وحضارتنا، كفيلة بتأكيد ذواتنا، وضمان انتصارنا على كل أعدائنا بإذن الله.
|
|